الشيخ محمد علي طه الدرة

102

تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه

فعن عبد اللّه بن عمرو بن العاص - رضي اللّه عنهما - ، قال : سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول : « إنّ اللّه لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من العباد ، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء ؛ حتّى إذا لم يبق عالما ؛ اتّخذ الناس رؤوسا جهّالا ، فسئلوا ، فأفتوا بغير علم ، فضلّوا ، وأضلّوا » . أخرجه البخاري . فهذا الذي عناه القرطبي ، ولم يذكره ، ثم ذكر ما يلي ، فقال : روى النّسائيّ في المسند الصّحيح له عن ابن عمر : أن رجلا سأل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : أيّ البقاع خير ؟ قال : « لا أدري حتّى أسأل جبريل ، فسأل جبريل ، فقال : لا أدري حتّى أسأل ميكائيل . فجاء ، فقال : خير البقاع المساجد ، وشرّها الأسواق » . وقال الحافظ المنذريّ : رواه الطبرانيّ في الكبير ، وابن حبّان في صحيحه . هذا وقد كان الكثير من العلماء يعتذرون عن الإجابة ، ويقول أحدهم : لا أدري ، فقد روي عن ابن عبّاس - رضي اللّه عنهما - : أنه قال : أتريدون أن تجعلوا رقابنا جسورا تعبرون عليها إلى جهنّم ؟ ! وقال الإمام مالك - رحمه اللّه تعالى - : سمعت أبا هريرة يقول : ينبغي للعالم أن يورث جلساءه من بعده : لا أدري ؛ حتى يكون أصلا في أيديهم ، فإذا سئل أحدهم عمّا لا يدري ؛ قال : لا أدري . وذكر ابن الهيثم بن جميل قال : شهدت مالك بن أنس سئل عن ثمان وأربعين مسألة ، فقال في اثنتين وثلاثين منها : لا أدري . انتهى قرطبي . أقول : في هذه الأيام كثرت الفتاوى بعلم ، أو بغير علم ، والرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم يقول : « أجرؤكم على الفتوى أجرؤكم على النّار » ، فترى بعض الجهال ينصب نفسه مفتيا ، وقاضيا ؛ ليضلّ الناس ، ويقطع من مال هذا ، ويعطي ذاك ، والطّامّة الكبرى عندما ينصب نفسه مفتيا للطّلاق ، ويسلب أموال الناس بفتاواه الضّالة المضلّة ، والرسول صلّى اللّه عليه وسلّم يقول : « القضاة ثلاثة : قاضيان في النار ، وقاض في الجنّة ، رجل قضى بغير الحقّ فعلم ذاك ، فذاك في النّار ، وقاض لا يعلم ، فأهلك حقوق الناس ، فهو في النّار ، وقاض قضى بالحقّ ، فذلك في الجنة » . رواه أبو داود ، والترمذيّ وابن ماجة عن أبي بريدة ، عن أبيه - رضي اللّه عنه - وهذا لفظ التّرمذيّ . الإعراب : قالُوا : ماض ، والواو فاعله ، والألف للتفريق . سُبْحانَكَ : مفعول مطلق ، فعله محذوف ، كما رأيت ، والكاف في محل جر بالإضافة ، من إضافة المصدر ، أو اسم المصدر لفاعله ، فيكون المفعول محذوفا ، أو لمفعوله ، فيكون الفاعل محذوفا ، والجملة الحاصلة منه ومن فعله المحذوف في محل نصب مقول القول ، وهذا عند الخليل ، وسيبويه ، وقال الكسائي : هو منصوب على أنه نداء مضاف ، وهو ضعيف لا يعتدّ به . لا : نافية للجنس تعمل عمل « إنّ » ، عِلْمَ : اسمها مبني على الفتح في محل نصب . لَنا : جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر لا ، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول ، وجملة : قالُوا . . . إلخ : مستأنفة لا محل لها . إِلَّا : حرف حصر لا محل له . ما : اسم موصول مبني على السكون في محل رفع بدل من اسم لا على المحل ؛ إذ محله الرفع على الابتداء ، أو هو في محل رفع بدل من لا وما عملت فيه ؛